القائمة الرئيسية

الصفحات

الكتاب صديقي بقلم: محمد بن يوسف كرزون

 

 


 الكتاب صديقي

 

بقلم: محمد بن يوسف كرزون

 

يجلسُ يوماً كاملاً وهو يُطالعُ من كتابٍ ورقيّ مهمّ، يحاولُ أن يفهم ما يقرؤه فهماً سليماً، بل يُجهدُ نفسه في هذا... يذهبُ إلى مجلس من مجالس الثقافة، فيرى نفسَهُ أشبه ما يكون بالأبله، وكأنّه لم يقرأ شيئاً... يسأل نفسَهُ بإلحاح وألم: كيف يقرأ هؤلاء؟ وكيف يتثقّفون؟ لا شكّ أنّهم عباقرة، وأنّ أدمغتهم تختلف عن دماغي الضعيف العاجز... ويزدادُ حيرةً بل قهراً، فهو لا يرى من نتائج تثقّفه نتيجةً تُذكر، ثمّ يستنتجُ أنّه لا يصلح للثقافة ولا للقراءات... وأنّ الكتب قد كُتِبَتْ لغيره... يدعُ الكتاب، بل يخفيه عن عينيه إن لم نقل يخنقه في عتمةٍ من عتمات بيته، ولا يتورّع عن أن يهديه لأوّل راغب، لأنّه زهدَ فيه وفي التثقّف أصلاً.

يغلب عليه هذا التفكير دونَ أن يكون قد تحاور مع أحد من الموجودين في الجلسة، بل اكتفى بالاستماع، والشرود المتواصل أثناء الاجتماع.

ثمّ تبدأ عندهُ حملة ذهنيّة غير مباشرة: أنّ الثقافة ليست له، وأنّ عليه أن يسعى إلى التسلية وتمضية أوقاته في أشياء بعيدة كلّ البعد عن المعرفة واكتساب المعلومات وأساليب التفكير السليمة.

هذا النوع من الشباب منتشر في بلادنا بكثرة، بل يمكن أن نقول وبكلّ أسف: إنّ أغلبَ شبابنا هم على شاكلة هذا الفتى. والسبب هو أنّهم لم يعلّموننا في مدارسنا، ولا في وسائل إعلامنا، ولا في مجالسنا حتّى، كيف نقرأ، وكيف ومتى نستفيد من قراءاتِنا.

والسبب في هذا يعود إلى أنّ أغلب مناهجنا التدريسية هي تقليد للمناهج التدريسية الغربيّة، وهذا ليسَ عيباً في حدّ ذاته، ولكنّه عيبٌ إذا اقتصرنا عليه، ولم ندرس طبيعة المشكلات التعليمية في بلادنا والحاجات التي تقتضيها.

أوّل جواب على سؤال (لماذا لا نقرأ)، أنّ خططَ تعليم كيفيّة القراءة غائبة عن مناهجنا غياباً شبه تامّ، هذا فضلاً عن الجواب على سؤال ثانٍ (لماذا نقرأ) تأتي سطحيّة إنشائيّة غير عمليّة، من مثل: (نقرأ لنتعلّم ونستفيد ونعرف ما حولَنا في العالَم)، أو إجابة أخرى أكثر ضحالة من تلك الإجابة: (لأنّ المتعلّم والحامل للشهادات دخله المادّيّ أعلى وراحته البدنيّة في عمله أقلّ)...

وتأتينا الأوامر من أولياء أمورنا ومعلّمينا وأساتذتنا على حدّ سواء: ادرسوا.. لا تضيّعوا أوقاتكم فيما لا يفيد... الدّراسة راحة لكم في مستقبلكم... انظروا إلى فلان وفلان كيف استفادوا من دراساتهم... ثمّ انظروا إلى الذينَ لم يدرسوا كم هم تُعساء... ويأتينا سؤال استنكاري فظيع: هل يعجبكم أن تصبحوا مثل هؤلاء؟

وفي المحصّلة يتمّ الخلط بين (الدراسة) و(القراءة) خلطاً عجيباً، وعندما نكون في عطلة لا نقتربُ من أيّ كتاب نطالعه لأنّ الدراسةَ قد أرهقتنا، وخرّيجو الشهادات العالية في بلادنا لا يقرؤون لأنّهم يقولون ببساطة: لقد حصلنا على الشهادة، ألا تكفي؟ ألا يكفي ما عانيناهُ من تعب وجهد أثناء حياتِنا الدّراسيّة؟

هذه مشكلة أمّة، حقيقةً وليسَ هذراً، وعلينا أن نبحث عن إجابتين عمليّتين تطبيقيّتين:

لماذا نقرأ؟

كيف نقرأ؟

أمّا (ماذا نقرأ)، فالإجابة عليه تأتي لاحقاً، بعد أن نكون قد عرفنا سبب القراءة، ثمّ فهمنا وطبّقنا الخطط العمليّة في كيفيّة القراءة. 

وفي كلّ الأحوال، يمكن لنا أن نحوّل القراءة إلى عادة، بل عادة محبّبة لدينا، وهذا أمر سهل التحقيق، إذا سرنا في التطبيق العملي لخطّة تحويل القراءة إلى عادة.

سنناقش في مقالة قادمة معاً التساؤل المهمّ للغاية: (لماذا نقرأ)، وفي المقالة التي تأتي بعدها سنناقش (كيف نقرأ)، وربّما تأخذ الإجابة على السؤال الثاني أكثر من مقالة، ويدور في أذهان القرّاء تساؤلات واستفسارات لن نهملها، وسنجيب عنها في مقالات أخرى متتابعة إن شاء الله.

ونعود إلى صاحبي، الذي بدأتُ به مقالتي هذه، فأقول له:

لا يا صاحبي، أنتَ لستَ أقلّ من الذينَ كنتَ في مجلسهم، ولا هم أعلى منكَ شأناً، الأمر بكلّ بساطة: هم يقرؤون ويحاورون غيرهم منذ سنوات بعيدة، وأنتَ حديث عهد بالقراءة، وتخشى أن تحاور ولو عن طريق طرح أسئلة أو تساؤلات وحسب. هذا هو الفارق بينكَ وبينهم. مع فوارق أخرى بسيطة تخصّ كلّ شخصيّة نعرفها، لا مجال لذكرها في هذه المقالة.

أنتَ تبدأ في عملية التثقّفْ، فأنتَ تسير بخطواتٍ واثقة نحو ثقافةٍ حقيقيّة، لا تيأس، لا تشكّ في إمكانيّاتكَ، لا تستسلم... فالقراءة حضارة.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. كتبت فأصبت عمق القارئ العربي
    السلام عليكم
    الأستاذ الكبير محمد يوسف كرزون
    مقابلتك أحييت مابداخلي من ذكريات في طفولتنا وشبابنا
    ضربني والدي
    صرحت أمي
    انتقدني مجتمعي
    لأنني اهدر وقتي في القراءه ولا ادرس
    لأنني اذهب للجامع ولا اصلي في المنزل فلا ادرس.... المهم الدراسة
    بعد سنوات كبرت
    ذهب عندي حب القراءه
    وغاب عندي تعلقي بالمساجد
    دخلت في مرحلة الممراهقة
    اختلف برنامجي ما بين تدخين واركيله واختلاط مع الجنس الاخر سهر وسمر
    غيابي عن البيت صار لساعات طويله
    ماعاد احد ينتقد اي شيئ أفعله حتى لو قالوا لي ادرس يكفي فقط أن أقل أنني ادرس وماعاد أحدا ينزعج المهم
    لا يشاهدونني ذاهبا للجامع أو قارئا لكتاب

    ردحذف

إرسال تعليق

التنقل السريع