القائمة الرئيسية

الصفحات

أفكار عن كتابة القصة القصيرة وشروط كتابتها

 

عن القصّة القصيرة

أفكار عن كتابة القصة القصيرة وشروط كتابتها

بات فنّ القصّة القصيرة شائعاً كثير الشيوع، حتّى أصبح الوجبة الأكثر إمتاعاً للقرّاء، بسبب واقعيّته، وقصر النصوص، لأنّ القصّة القصيرة لا تستهلك وقتاً طويلاً، وتطرح عدداً محدوداً من الأفكار والشخصيّات والأحداث، في بيئة واحدة أو حيّز محدود من البيئات.

إنّ علينا أن نعلم أنّ النقد يأتي لدراسة ظاهرة سبقته، فيؤطّرها، ويقدّمها للقرّاء كنوع من التحليل للنصوص التي أخذت حظّها من الانتشار، سواءٌ أكان هذا الحظّ قليلاً أم كثيراً.

وكذلك فإنّ النقد عمليّة تختلف اخلافاً كلّيّاً عن التقويم وإبداء الملاحظات على نصوص مَنْ هم يدخلون الساحة الأدبيّة مجدّداً، ويخوضون تجربة الإبداع، فهؤلاء لا يستحقّون النقد والتجريح، بل يستحقّون الحوار والتقويم من أجل أن تنضج كتاباتهم وتزدهر، سعياً نحو الانتشار وأداء الرسالة الخاصّة بكلّ كاتب عن طريق النصوص الأدبية.

 

تعريف القصّة القصيرة:

هي قطعة نثريّة محدودة الطول، تعالج موضوعاً محدّداً، وهي تصوّر في بيئة محدّدة حدثاً أو مجموعة أحداث، وتقوم بها شخصيّات إنسانيّة، في زمان محدّد، يطرح فيها الكاتب فكرة غير مباشرة يسعى إلى أدخال القناعة فيها، في قالب فنّيّ مشوّق.

قد يبدو هذا التعريف مكثّفاً جدّاً، ولذلك سنسعى إلى تجزئة هذا التعريف وتفصيل كل عنصر منه تفصيلاً أقرب إلى الدقّة والوضوح.

1)               قطعة نثرية محدودة الطول: يعني أن تكون مؤلفة من 200 كلمة على الأقلّ، والحد الأعلى 1500 كلمة، لا أكثر، ومنهم من أجاز أن تكون 2000 كلمة، وعندما يزيد عدد الكلمات عن هذا الحدّ تخرج من تسمية (قصّة قصيرة) إلى تسمية (أقصوصة).

2)               تعالج موضوعاً محدّداً: يُفضَّل في القصّة القصيرة أن يكون لها موضوع رئيس واضح، وربّما تعالج أكثر من موضوع، ولكن الشرط فيها أن تكون ذات موضوع رئيس واضح، وموضوعات فرعيّة أخرى تصبّ في الموضوع الرئيس.

3)               وتقوم بها شخصيّات إنسانيّة: القصص التي تكون على ألسنة الحيوانات تكون (حكايات)، وإن كان الحيوان فيها رمزاً، وأنّ المقصود بها هو الإنسان. كذلك القصص التي تكون بطولتها لأشياء، مثل الشجرة والكرسي... هي تدخل ضمن (الحكايات) لا غير. فالأساس في القصّة القصيرة أن يكون الإنسان هو بطلها وهو محورها.

4)               وهي تسرد حدثاً أو مجموعة أحداث قليلة، وتجري أحداثها في بيئة محدّدة: بالإمكان أن تكون في القصة القصيرة أكثر من بيئة، ولكن يجب أن تكون هذه البيئات محدودة، ومحدّدة بدقّة. ولا قصّة قصيرةً بدون حدثٍ أو أحداث، وقتها تصبح مقالة لا غير.

5)               وأمّا الزمن في القصّة القصيرة، فيشترط أكثر النقّاد أن يكون الحيّز الزماني قصيراً، أو أن تكون النقلات الزمانية قفزات سريعة لا تركّز على التفاصيل في كلّ عنصر زمانيّ منها، بل أن يكون العنصر الزمانيّ تابعاً لفكرة القصّة القصيرة.

6)               يطرح فيها الكاتب فكرة غير مباشرة يسعى إلى أدخال القناعة فيها للقارئ: الفكرة والرسالة عنصر مهمّ جداً في فنّ القصّة القصيرة، فهي غير مقبولة إذا لم تكن لها فكرة وتوجّه، وكذلك إذا لم يكن للكاتب منها رسالة وهدف. إذنْ، أهمّ ميزة في القصّة القصيرة أن لا تكون فكرتها مباشرة، وأن لا يكون الكاتب واعظاً، بل عليه أن يستخدم الأساليب الفنية لإقناع القارئ بشكل تلقائيّ، دونَ الحاجة إلى التوجيه المباشر والجمل الوعظيّة.

7)               في قالب فنّيّ مشوّق: وهنا جوهر الكتابة القصصيّة. وسنفصّل في القالب الفنّيّ تفصيلاً دقيقاً.

عناصر القصّة القصيرة:

الحدث القصصي:

لا تُبنى القصص إلّا على حدث أو أحداث، وهذه الأحداث هي التي تقدّم الفكرة غير المباشرة للقارئ لتجعله يفكّر ويتأمّل ويتقنع بمقولة القصّة أو رسالتها.

كيف يكون الحدث في القصّة؟

كلّ أنواع الأحداث في القصّة القصيرة مقبولة، حتّى الخياليّة منها، وكذلك بالتأكيد الواقعيّة، ولا ضرورة لترتيب الأحداث منطقياً زمانياً، بل يحقّ للكاتب أن يسبّق ويؤخّر ما يشاء من الأحداث ليخدم الفكرة التي يودّ طرحها في نصّه.

ويحاول الكاتب جهده أن لا يطيل في سرد الأحداث، ولكن دون الخلل في تقديم ما يخدم غرضه من نصّه القصصيّ.

رسم الشخصيّة:

قلنا إن الشخصيّة في النصّ القصصي يجب أن تكون إنسانية أو تشير إلى صفات إنسانية واضحة، مثل التفكير والمزاجية والسلوك بأنواعه عموما.

وكلّما كانت الشخصيّة فيها غرابة وطرافة غير مألوفة كان النصّ القصصيّ أقرب إلى التشويق الذي يرغبه القارئ.

وللكاتب أن يتعدّى في رسم شخصيّاته حدود المعقول إذا كان يريد أن يرمز بإحدى شخصيّاته إلى رمز معيّن يخدم نصّه القصصيّ وفكرته التي يرغب، كأن يطير بطله في الأجواء كما هي الطيور، أن أو يكون سبّاحاً خارقاً أشطر من حيتان البحر قاطبةً، أو أن يسافر في الفضاء بدون مركبات فضائية في سرعة مذهلة... وهذه الصفات للشخصية لا تعني أن تكون كل القصص القصيرة تتمتّع بهذه الأنواع من الشخصيات، بل بإمكانه أن يتّخذ من مدير عام شخصيّة بطلة لنصّه القصصيّ، أو من طفل صغير شخصيّة أخرى... وهكذا.

قد تتعدّد الشخصيّات في القصّة القصيرة، وربّما كانت الشخصيّة هي المجتمع كلّه، أو حيّ بأكمله. وقد تكون شخصية فردية وليس معها أي شخصية أخرى.

وبإمكان الكاتب أن يضع شخصيّة رئيسة أو أكثر وشخصيّات ثانوية أخرى، وشخصيّا عَرَضيّة، لا علاقة لها بالقصّة سوى في إكمال الصورة أو البنية القصصية، منها شخصيّة سائق حافلة، أو شخصيّة موظّف عابر... وهكذا. إلّا أن يكون الكاتب قد بنى قصّته على جعل شخصيّة سائق الحافلة هي الرئيسة في نصّه، أو شخصيّة موظّف صغير.

وهنا نرى أنّ القارئ يجد متعةً في تحليله لشخصية البطل في القصّة القصيرة، أو في تحليل شخصيّة الخصم، أو حتى تحليل الشخصيّات الثانوية، هذه المتعة تجعله يحلّق في الخيال ليتصوّر هذه الشخصيّة وكأنّها حيّة تعيش بيننا. ولكن الشخصيّات العَرَيّة لا يمكن تحليلها لأنّ دورَها محدودٌ جداً، وتؤدّب وظيفةً محدودة، في جانب من جوانب القّة لكي لا يبقى هذا الركن من النصّ القصصيّ فارغاً.

الزمن في القصّة

زمن القصّة القصيرة مفتوح، فقد تستغرق وقتاً طويلاً جداً، أو تكون في مدّة قصيرة لا تتعدّى دقائق قليلة، وكلّ هذا ضمن خدمة النصّ وفكرة النصّ.

ولكن يُفضّل أن تكون الإشارة إلى الزمن دقيقة ومختصرة، لتشعر القارئ بالمرحلة الزمانية التي يريدها الكاتب، أو المراحل الزمانية، إذا قصد أكثر من مرحلة.

ودقّة تحديد الزمن دليل على حسن استخدامه لعنصر الزمن، فالقارئ يجب أن يدرك ماذا يقصد الكاتب بالزمن.

قد يكون الزمن مفتوحا، والقصّة القصيرة تنطبق على كلّ العصور والأزمان، وهذا من حقّ الكاتب، وقد يكون الكاتب قد قصد من نصّه القصصيّ زمانا محدّداً، أو يرغب بالمقارنة بين أحداث زمنين... كلّ هذا مشروع للكاتب شرط أن يتلمّس القارئ هذا بشكل غير مباشر أو مباشر لا بأس.

والكاتب البارع يضع علامات ورموزاً للقارئ لِيُحسِنَ تخيّل الزمن والبيئة المكانيّة لنصّه القصصيّ، لكي يزيد القارئ إمتاعا وشوقاً ومتابعةً. وهذه الإشارات البسيطة تزيد من عمق فهم القارئ للنصّ، وتدفعه للمتابعة، ليس لهذه القصّة فقط، بل لقصص الكاتب كلّها، وللقصص المشابهة لهذا العمل القصصيّ. ولذّة القراءة تبدو واضحةً عند القارئ وهو يتخيّل، أو يوسّع خيالَهُ في هذا المجال.

الأسلوب واللغة في كتابة القصّة القصيرة:

الأسلوب هو الرجل، كما قال أحد الكتّاب الفرنسيين، ونقول: الأسلوب هو الكاتب أو الأديب بعينه.

ويظهر الأسلوب أكثر ما يظهر في لغة الكاتب واستخدامه للصياغة اللغوية عموماً، وللبلاغة على وجهٍ خاصّ.

ولا نستطيع تحديد أسلوب معيّن في الكتابة الأدبيّة، بل نستطيع أن نتلمّس الأسلوب من خلال العناصر الآتية:

السرد والحوار:

السرد هو سير الأحداث في القصّة، إضافة إلى التحليل غير المباشر الذي يستخدمه الكاتب ليكشف خبايا نصّه بشكل غير مباشر، وقد تطول الجملة في النصّ أو تقصر، أو تكون بين بين، وهذا راجع إلى بنية النصّ القصصيّ وطبيعته.

ولكن إذا طال السرد ولم يُطَعَّمْ بحوارات وأحداث مفاجئة، فإنّ طابع الملل يخيّم على النصّ مهما كان قصيراً. فغرض الكاتب أن يجعل القارئ يتابع نصّه القصصيّ بشوق، لكي تصل إليه فكرة النصّ ورسالته، وهما لا تصلان بسهولة ويسر إلّا إذا اتّبع الكاتب فنوناً في القول تجعل القارئ يشدّ انتباهه إلى كلّ حرف يقرؤه.

الحوار:

يستخدم الكاتب الحوار ليكشف طبيعة شخصيّاته المتحاورة، ويعرف تفاصيل لا تكشفها الأحداث وحدها، أو تكشف ما سيحدث في القصّة. هذا بالإضافة إلى أنّ الحوار يكشف طبيعة الشخصيّة سواءٌ أكانت معقّدة أم بسيطة أم سطحيّة، ويجب على الكاتب أن ينتبه إلى نوع الحوار، فالحوار الأنثويّ غير الحوار الرجولي، وحوار الأطفال غير حوار الكبار، وحتّى إذا تحاور طفل مع شخصيّة متقدّمة في العمر فإنّ روح الطفولة يجب أن تكون باديةً واضحة، وأن تكون الشخصيّة الأخرى واضحة في مستواها العمريّ والثقافي والاجتماعي.

وهذا الأمر لا يتقنه إلّا كبار كتّاب القصّة القصيرة، ويتوه في متاهاته كثير من الكتّاب، عندما يساوون في أسلوب الكلام بين الشخصيّات المتحاورة، فيضيع كثير من ميزات النصّ، أو نشعر بخلل واضح كلّ الوضوح، وكثيراً ما يدع القارئ النبيه قراءة النصّ،  لما رآه فيه من تناقض، أو من عدم ملاءمة الحوار للشخصيّات.

وهناك حوار داخلي بين إحدى شخصيّات النصّ القصصيّ ونفسه، وهو حوار يضفي على النصّ القصصيّ صدقاً واضحاً، وعمقاً في تقديم الشخصيّة. إذْ إنّ كثيراً من الشخصيّات التي نعرفها في الواقع تقول في العلن غير ما تقوله بينها وبين نفسها، بل إنّ الصراع داخل النفس يبدو أضخم وأكثر حدّةً.

هذا الحوار الداخلي يُظهِرُ براعة الكاتب في تقديم خفايا النفوس، وصراعاتها الداخلية المتواصلة، ونواياها الخفيّة للغير. وبذلك فإنّ النصّ القصصيّ يكشف حقيقة النفس الإنسانيّة على نحو آخر أكثر صدقاً وواقعيّةً وأهمّيّة، وهذه هي ميزة مهمّة من ميزات الأدب.

فكرة النصّ ورسالته

لا نصَّ قصصيّاً إلّا بطرحه فكرةً أو مقولةً للنصّ غير مباشرة، ولكن الكاتب يعطي القارئ مفاتيح ذكيّة ليعرف فكرته، ويقتنع بها.

وأمّا الرسالة فهي تختلف عن الفكرة، فالفكرة تطرح واقعاً مرفوضاً أو مقبولاً، وتفصّل فيه تفصيلاً دقيقاً، لتكشف ظاهرةً نراها يومياً، أو نرى أنّها مؤذية لنا حتّى وإن كانت قليلة الحدوث.

أمّا الرسالة فهي دعوة الكاتب للقارئ أن يفكّر ليس في كشف ظاهرة من الظواهر وحسب، بل أن يقوم بمحاربتها وإيجاد البديل عنها، أو بترسيخها وتثبيتها وتنميتها، لأنّها ظاهرة حسنة تستحقّ الاهتمام.

خاتمة:

هذه هي لمحة وجيزة عن فنّ الكتابة القصصيّة، وقد رأينا أن نقف عند كثير من عناصره، ونبيّنها ما أمكن، ليهتدي بها من يرغب في الدخول في هذا المجال البديع الجميل، مجال كتابة فنّ القصّة القصيرة.

 

 

إعداد: هيئة التحرير

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع